يايسله.. حين صهر الألم يصنع الذهب في جدة

يايسله.. حين صهر الألم يصنع الذهب في جدة

في كرة القدم، ليست الألقاب وحدها ما تصنع المجد، بل الظروف التي أحاطت بها، التحديات التي واجهها أصحابها، واللحظات التي كادت أن تنهار فيها الأحلام قبل أن تتحقق. ولعل ما فعله الألماني ماتياس يايسله مع أهلي جدة في دوري أبطال آسيا للنخبة هو مثال حي على هذه القاعدة الذهبية.

اللقب المنتظر.. نهاية رحلة لا تشبه سواها

مساء السبت، على ملعب “الإنماء” بجدة، دوّى صوت المجد من جديد، لكن هذه المرة بلكنة ألمانية ونكهة سعودية خالصة، بعدما توج الأهلي بلقبه القاري الأول، متغلبًا على كاواساكي الياباني بثنائية نظيفة، أعادت للأذهان أمجاد “قلعة الكؤوس”، وأكدت أن الصبر والرهان على المشروع الطويل المدى يؤتي ثماره، كورة لايف.

من الشك إلى القمة.. شخصية مدرب

لم يكن الطريق معبّدًا أمام يايسله (37 عامًا). بل على العكس، فقد عاش فترات توتر كبيرة مع بداية الموسم، حين تسرب الشك إلى أروقة النادي بشأن مستقبله، في ظل نتائج متذبذبة وظهور باهت في بعض المباريات. إلا أن المدرب الألماني، الذي يُعد من تلامذة مدرسة التنظيم والانضباط الألمانية الحديثة، اختار الصمت والعمل على الميدان بدلًا من تبرير الإخفاقات.

ورغم وجود أسماء كبيرة في الدوري السعودي، على مستوى المدربين واللاعبين، فإن يايسله تميز بثقة هادئة، وقدرة على قراءة الفريق فنيًا وتطويره، خاصة عبر تحسين أداء المحليين مثل علي مجرشي وسعد بالعبيد وزياد الجهني، مع الاستفادة القصوى من الأجانب، أبرزهم ويندرسون جالينو، الذي شكّل علامة فارقة هجوميًا منذ قدومه.

يايسله × كريسبو.. تشابه الإنجاز واختلاف المصير

الإنجاز الذي حققه الأهلي، يُعيدنا بالذاكرة إلى موسم 2023-2024، عندما حصد العين الإماراتي اللقب القاري بقيادة الأرجنتيني هيرنان كريسبو. كلا المدربين شابان، جاءا في ظروف معقدة، وقادا فريقين لا يُعدّان مرشحين أولين للقب، لكنهما شقا الطريق بثقة، وأطاحا بكبار آسيا.

ومع ذلك، فإن النهاية كانت مختلفة. كريسبو أقيل بعد شهور قليلة بسبب تراجع النتائج في البطولة القارية الجديدة، وخروجه من كأس القارات أمام الأهلي المصري، ليظهر أن الفوز بلقب كبير لا يكفي إن لم يُدعَم باستمرارية واستقرار.

يايسله يبدو في وضع أفضل، فمشروع الأهلي أكثر توازنًا، والهيكل الفني واللاعبين أكثر انسجامًا. بل إن الأهلي، على الورق، يملك أحد أقوى الفرق من حيث التجانس بين الأسماء المحلية والدولية، وهو ما قد يمنحه أفضلية في الحفاظ على القمة.

الألمان وعقدة آسيا.. هل انتهت؟

يايسله أصبح ثاني مدرب ألماني فقط يحقق اللقب القاري، بعد هولجار أوزيك مع أوراوا عام 2007. هذا الفارق الزمني (18 عامًا) بين التتويجين يطرح تساؤلًا: لماذا لا ينجح المدرب الألماني في آسيا رغم تاريخه العريق في أوروبا؟

الإجابة تكمن في اختلاف البيئات الكروية. ففي آسيا، يلعب الجانب الذهني والتحضير النفسي دورًا مساويًا إن لم يكن أكبر من التكتيك. وقد نجح يايسله في الجمع بين هذين العاملين، مانحًا فريقه صلابة في أوقات الضغط، ومهارة هجومية مبهرة عند الحاجة.

نظرة للمستقبل.. ماذا بعد الإنجاز؟

الأهلي سيشارك في النسخة الجديدة من دوري الأبطال، إضافة إلى كأس الإنتركونتيننتال وكأس العالم للأندية. وهو ما يضع يايسله أمام اختبار من نوع آخر، يتطلب استقرارًا إداريًا وفنيًا، ودعماً استثنائيًا في سوق الانتقالات.

لكن ما يملكه الأهلي اليوم، يتجاوز الإنجاز الآني. الفريق بات يمتلك هوية واضحة، وروحًا تنافسية عالية، ومدربًا شابًا قد يكون حجر الأساس لعصر ذهبي جديد في تاريخ النادي.

مقالات ذات صلة